إدارة تقلب أسعار الموارد

مال واعمال 0 SANAANOW

تواجه السلطات في الاقتصادات الغنية بالموارد عدة اختبارات اقتصادية، من أهمها: عدم إمكانية التنبؤ بأسعار السلع الأولية التي تصدرها هذه البلدان، مما يؤدي في الغالب إلى تقلب جزء كبير من إيراداتها، وهو الأمر الذي يمكن أن يتسبب في تقلب الإنفاق الحكومي. وهذا الاختبار من أكثر الاختبارات التي تؤثر في تصميم سياسات مناسبة للمالية العامة. وتقول لنا الدراسات النظرية بهذا الصدد إنه قبل أن تتخذ سلطات البلد قرارات بشأن سياسات المالية العامة، عليها أن تقدر عدد السنوات التي يمكن أن يتوقع خلالها أن تدرّ الموارد إيرادات. إلا أن حساب أفق الموارد لهذه الصناعات الاستخراجية يمكن أن يكون صعباً، نظراً لعوامل عديدة أهمها إمكانية حدوث اكتشافات جديدة والتغيرات التكنولوجية التي يمكن أن تؤثر في القيمة السوقية للموارد الطبيعية بجعل استخراجها عملاً أيسر أو بزيادة الجزء الذي يمكن استرداده. وأن إعداد تقدير معقول لمسألة ما إذا كان من المرجح أن تدوم الموارد لفترة طويلة (مثلاً لأكثر من 30 إلى 35 عاماً) أمر مهم لأن قابلية نفاد المورد يمكن أن تسهم بدور أساسي في تحديد سياسة المالية العامة لجميع البلدان.
وتجمع تلك الدراسات على أن ضبط أوضاع سياسة المالية العامة بحيث تكون ملائمة لا يمثل شاغلاً فورياً، بنفس القدر، للبلدان ذات آفاق الموارد الطويلة. ويرجح أن يكون التحدي الرئيسي لهذه البلدان هو كيفية إدارة تقلب الإيرادات مع تقلب سعر المورد.. وفي المقابل، نجد أن البلدان التي تكون آفاق الموارد فيها أقصر نتيجة لتوافر الاحتياطات النفطية فيها على نطاق أضيق، ينبغي أن تركز على كيفية الحفاظ على النفقات الحكومية بمجرد انقطاع إيرادات الموارد. ولذلك تكون إدارة تقلب أسعار الموارد أهم أهداف سياسة المالية العامة في البلدان التي توجد لديها آفاق طويلة للموارد وتعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات المتأتية من تلك الموارد. ولضمان أن تعكس سياسات الإنفاق والضرائب متوسط الإيرادات على المدى البعيد، يمكن أن تعتمد السلطات قواعد للتعامل مع تقلبات أسعار الموارد من عام إلى آخر. وهذا التمهيد في تقدير الإيرادات الهيكلية (أو العادية ) التي يمكن توقعها في العام المتوسط يتيح للسلطات تحديد المقدار اللازم من إيرادات الموارد التي يمكن أن تنفقه بأمان من خلال الميزانية السنوية. وتستخدم تقديرات إيرادات الموارد الهيكلية صيغة لتمهيد الأسعار مع تنبؤات بالإنتاج وتستند إلى الأسعار السابقة والحالية والمتوقعة. إلى إعداد توقعات مختلفة لنمو الإنفاق الأولي وتراكم الأصول المالية. ويدل اختيار صيغة أسعار معينة على المفاضلة التي يقوم بها البلد بين تمهيد النفقات من ناحية وتعديل الأوضاع من ناحية أخرى للتواءم مع تغيرات الاتجاهات السعرية العامة. وتقتفي الميزانيات التي تعتمد على صيغ الأسعار بأفق استرجاعي قصير تغيرات الأسعار بصورة أفضل، إلا أن الصيغ يمكن أن تسفر عن زيادة تقلب الإنفاق الذي يمكن أن يسهم في تشديد غير مرغوب في سياسة المالية العامة عندما تكون أسعار السلع الأولية ضعيفة. وفي المقابل، تكون للميزانيات التي تعتمد على قواعد أسعار بصيغ استرجاعية طويلة مسارات للإنفاق ذات خاصية تمهيدية أكبر ولكن يمكن أن تؤدي بانتظام إلى تعديل سعري أقل أو أكبر من مستوى الإيرادات الفعلية إذا تغيرت الاتجاهات العامة للأسعار لكن حتى في ظل قواعد التمهيد، ربما تظل الإيرادات الهيكلية تقفز بصورة حادة عقب حدوث تغيرات كبيرة ومفاجئة في أسعار الموارد.
وللسيطرة على تقلب الإنفاق بدرجة أكبر، يمكن تكميل إطار التمهيد بقاعدة تضع قيوداً إضافية على نمو الإنفاق من عام إلى عام. وفي الواقع العملي، تختلف صيغة تمهيد الأسعار. فمنغوليا، على سبيل المثال، تستخدم متوسطاً متحركاً لأسعار المعادن مداه 16 عاماً (أسعار ال12 عاماً الماضية والأسعار المتوقعة للعام الحالي والأعوام الثلاثة القادمة). وتولي الصيغة ثقلاً كبيراً للأسعار السابقة، مما يوفر الاستقرار في التنبؤ بالإيرادات مع السماح بدمج تدريجي لتوقعات الأسعار الاستشرافية. وتعتمد المكسيك قاعدة تمهيدية تستند إلى متوسط أسعار النفط على مدى عشر سنوات سابقة (وزن ترجيحي نسبته 25%)، وأسعار العقود المستقبلية للنفط على المدى القصير (وزن ترجيحي نسبته 50% مضروباً في عامل «حذر»)، وأسعار العقود المستقبلية للنفط على المدى المتوسط (وزن ترجيحي نسبته 25%). وتستجيب هذه المواصفة بدرجة أكبر للتغيرات في الاتجاهات العامة للأسعار المتوقعة، إلا أن التنبؤات بالإيرادات التي تنتجها تكون ممهدة بدرجة أقل. ويخفض عامل الحذر ميزان المالية العامة الهيكلي مما يجعل القاعدة أكثر تحفظاً، وتحد من مستوى الإنفاق.
عبدالعظيم محمود حنفي
* كاتب وباحث أكاديمي مصريالمزيد

الكاتب SANAANOW

SANAANOW

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة